الشاشة الرئيسيةمقالات

رياض سيف: أنا.. وأمراء القدس.. والسلطة الفلسطينية

الغواص نيوز

رياض سيف
القدس والاقصى قصة تاريخ وقداسة أرض . اليها سرى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ,وفيها صلى بالانبياء , ومنها عرج الى السماء وكانت معجزته . وفي طرقاتها سار السيد المسيح حاملا صليبه . ومهما حاول البعض تزوير التاريخ الا أن الحقيقة الثابثة تقول (ان اليبوسيون أول من سكن القدس وهم من الكنعانيين أساسًا، أقاموا فيها لسنة 2500 قبل الميلاد، وأطلقوا عليها اسم (يبوس)، ثم جاءها الفراعنة بعد أن امتد حكم مصر، وفي عهدهم احتلها البدو “الخابيرو” وظلت بأيديهم حتى استردها الفراعنة ثانية في 1317 قبل الميلاد، إلى أن حكمها داوود عليه السلام لـ 40 سنة وسماها مدينة داوود وشيد بها قصرًا وبعض الحصون، ثم جاء من بعده ابنه سليمان عليه السلام وقد حكمها لثلاثين سنة، ثم انقسمت بعد وفاته وكانت حينها بيد ابن سليمان المسمى رحبعام، وأصبح اسمها حينذاك أورشليم، ثم مر بها العصر البابلي وبعده الفارسي وتلاه اليوناني ومن ثم الروماني والذي نقل فيه الإمبراطور الروماني عاصمة الإمبراطورية من روما إلى بينزطة وأعلن المسيحية ديانة للدولة؛ فاستطاع المسيحيون بناء كنيسة القيامة عام 326 م، وبعد ذلك أغار عليها الفرس واحتلوها وعادت بعد ذلك لأيدي الرومان حتى الفتح الإسلامي، وقد أسري بالرسول صلى الله عليه وسلم إليه في عام 621 م تقريبًا، وقد دخلها عمر ابن الخطاب رضي الله عنه بعد عام 635م بعام أو عامين وذلك بعد انتصار أبو عبيدة عامر بن الجراح، وقد ذهب عمر ابن الخطاب لأن البطريرك صفرونيوس اشترط وجود عمر ليتسلم المدينة، فكتبت العهدة العمرية .
ولان من الواجب علينا اظهار الحقيقة التاريخية بالقاء الضوء على ماضي المدينة المقدسة وحاضرها فقد أدى المؤرخون دورهم في كشف الكثير من الوقائع منذ فجر التاريخ الى يومنا هذا كما ادت البرامج الوثائقية دورها في هذا المجال . الا أن الدراما التلفزيونيه والتي هي الاكثر نفاذا لدى الرأي العام لم تستطع أن تقدم الكثير حول تاريخ وحاضر هذه المدينة وأن كانت حرية التعبير قبل عقود قليلة كانت ممكنه ومتاحة الا أن الدراما اتخذت الجانب التاريخي وأغفلت الحاضر الا ما ندر , واليوم وفي زمن الردة نجابه حملة مغرضة لاغفال جميع جوانب ما يمت الى القدس بصلة بل وفلسطين كونها اصبحت في أجندة معظم المحطات من المحرمات والممنوعات التى يفضل عليها دراما العهر والانحلال كخطة صهيو امريكيه لخلق جيل منحل لايفقه من تاريخه شيئا يحفزه على الشعور بالكرامة والكبرياء , بل ويجعله أكثر تقبلا لما يخطط له من نزعه من عروبته والالقاء به ذليلا على هامش الامم .
ولعل تجربتي في الكتابة الدرامية التلفزيونيه عن القضية برمتها بدأت بالترميز من خلال أعمال عمدت فيها التحايل على الرقابة كما في مسلسل ( التراب المروعرس الصقر) . اخذت بروح الحدث واتخذت جانب التغريب . وكانت تجربتي مع مسلسل الاجتياح كمن يخوض في بحر من الرمال المتحركة وبارادة الشركة المنتجه وعزمها على خوض مغامرة محسوبة من حيث خطورة النتائج برفض المحطات العربية لهذا العمل خرج العمل الى النور, وحدث ما حدث من ارهاصات كادت أن تكلف المنتج الكثير .
التجربة المباشرة الثانية والمتمثلة في مسلسل ( بوابة القدس ) كانت وبتبنٍ وانتاج من قبل التلفزيون الاردني سهلة ومثمرة كونها اعتمدت على خطة وطنية صادقة ساهم في انجاحها كل الجهات الرسمية بغض النظر عن معادلة الربح والخسارة اذ كان كل ما يهمها من هذه البادرة ابراز جوانب مشرقة من التلاحم الاردني الفلسطيني على أرض فلسطين . ورغم ذلك فقد حقق هذين العملين نتيجة تميزهما انتاجياُ وفنياُ اختراقا غير متوقع في المحطات الرافضة لمثل هذه الاعمال مما أدى الى نشر الفكرة وتجنب الخسارة .
هنا كان الادراك واضحا بأنه ( لايحك جلدك غير ضفرك ) . ولذا كان لزاماُ ولكسر حاجز الممنوع واعلاء الفكرة ونشرها أن يتبنى كل صاحب قضية قضيته من منطلق الواجب الوطني , وبهذه الوسيلة فقط يستطيع أن يطرح قضيته للرأي العام العربي والعالمي بما يعود عليه بنتائج تضاهي الاف المنشورات والمؤتمرات والخطابات التى أصبحت تصيب المتلقي بالغثيان .
ولأن هناك دولة تسمى فلسطين وهي ذات الاختصاص الاول نحو قضيتها , فقد كان لزاما على هذه الدولة أن تقوم بواجبها الوطني بتبني اعمالاُ درامية فلسطينيه ذات مستوى عال وتجنيدها في خدمة صراعها مع المحتل لما تتركه هذه الاعمال الدرامية من أثر بارز في الصراع بما لايقل اهمية من المدفع والطائرة والتكنولوجيا الالكترونية التى يمتلكها المحتل وهي كقوة ناعمة كفيلة بتحجيم كل امكانياته و قدراته التي يمتلكها .
ولذا ورغم معرفتي من خلال عملي بالاعلام لسنوات طويله في الضفة الغربية بأن معظم المسئولين الاعلاميين لايرون ابعد من مصالحهم الشخصية في الوظيفة حتى على حساب الوطن ,قمنا بمبادرة لرفع الصوت عبر ندوة الدراما الفلسطينيه دعونا اليها عدد من المنتجين والفنانين العرب لالقاء الضوء على اهمية تبني السلطة لواجباتها بدعم الاعمال الدرامية الفلسطينية اذ رغم معاناة الشـعب الفلسـطيني مـن الاحتـلال الاسـرائيلي وممارسـاته مـا تـزال الدرامـا الفلسـطينية تعيـش حالـة مـن الشـلل جـراء التقصير على مستوى الجهاز الرسـمي الفلسـطيني والقطاع الخاص الفلسطيني . بالدراما الفلسـطينية
كان ذلك ربيع عام 2012م في رام الله حيث استمرت الندوة لمدة ثلاثة ايام متواصله , وكانت الوعود مبشرة في حينها وكان من ضمن هذه الوعود ما صرح به وزير الثقافة أنذاك استعداد الجهة الرسمية بدعم انتاج مسلسل عن القدس وبخاصة سيرة القائد الشهيد عبد القادر الحسيني .
اتجهت الانظار نحوي والقيت الكرة في ملعبي للبدء في كتابة النص المطلوب , ومع توجسي بأن وعودا كهذه هي مجرد فقاعات في الهواء , قبلت التحدي وبدأت في كتابة الحلقات الاولى من مسلسل بعنوان (أمراء القدس ) تناولت فيها سيرة القائد الشهيد عبد القادر الحسيني ورفاقه من رواد النضال الفلسطيني عبر حكاية درامية مشوقه ومثيرة عن الفترة 1920-1948م . (وكانت القدس هي أصل الحكاية بكل تفاصيلها ورجالها ومناضليها وامرائها وخدامها وامكنتها وازمنتها ..حضارة تمتد على مدى الزمن ..تمس القلوب والعقول ..وهي امانة فى الاعناق تحملها الاجيال جيلا بعد جيل) ..
وحسبما توقعت فقد تهاوت الوعود بتغيير وزير الثقافة وتحلل وزيرها السابق عن الوعد . ولما كان لدينا الحلقات الاولى وملخص العمل كاملا , ومع اصرارنا على المضي قدما في هذا المشروع , تم عرض الامرعلى رئيس هيئة اذاعة وتلفزيون فلسطين بمثابته وزيراً للاعلام , وعلى غرار ما سبقه من مسئولي التلفزيون اطلاق الوعود فقد زودنا بكتاب يتعهد فيه كهيئة دعم المشروع , ( تماما كما كان من هم قبله يبرمون العقود مع الكتاب والفنانين ولا يوفون بكلمة مما ورد في العقود ) بمعنى ( الضحك على اللحى )ومع هذا وايماناً منى بضرورة ادائي لواجبي الوطني نحو قضيتي اكملت كتابة المسلسل لاتوقف عند الحلقة العشرين بعد أن تبين لي زيف الوعد , وتبين لي أكثر تلاعب هذه الفئة المسئوله وعدم اكثراتها بما تعد ( فكلام الليل يمحوه النهار) . وادركت تماما مدى هشاشة وسخافة هذه الفئة من المسئولين , بل لمست وباليقين أن المذكور -كما من سبقه ممن توالوا على قيادة التلفزيون- غارق في الفساد من رأسه حتى اخمص قدميه في تعاقداته لشراء مسلسلات هابطة بالاف الدولارات لاتعني فلسطين بشئ , بل تزيد رصيده البنكي مستفيدا من مركزية وظيفته . وسبق لي أن كشفت ذلك في عدة مقالات , (لكن لاحياة لمن تنادي ). ويبدو أن ريحة الفساد قد خرجت عن المألوف , ولذا فوجئنا ذات يوم بعزله ومحاكمته علناً .
ولأن عملاً ( كأمراء القدس) لم ولن يجد من يتقبل فكرته سواء من شركات الانتاج أو المحطات العربية في زمن الردة العربية , بينما لو وفرت وقتي وكتبت ما يٌطلب مني من كتابة أفكار مبرمجة من قبل المحطات أو المنتجين العرب لكسبت الكثير الكثير , لكني وقد نذرت نفسي أن لا أكتب الا ما أومن به فقد قررت الالتزام بالكتابة عن قضيتي مهما كانت النتائج , موقناُ بأن يوما سيأتي وستزول فيه كل العوائق والممنوعات ويعلو صوت الحق فوق كل صوت .
في ربيع عام 2018م , وخلال زيارتي لفلسطين عرجت مع احد المخرجين الفلسطينيين على وزارة الثقافة الفلسطينيه قاصداً السلام على صديقي وابن بلدتى وكيل وزارة الثقافه ( عبد الناصر صالح ) . ولم أكن أعلم انه قد احيل الى التقاعد , وكانت فرصة أن أفي بوعدي لوزير الثقافة الشاب المهذب الدكتور ( ايهاب بسيسو) حين التقيته صدفة وقبل عام في معرض الكتاب وكنت على اهبة العودة الى عمان , ووعدته بزيارة لاحقة . وعلمت بأن لديه اجتماعا في رئاسة الوزراء . واقترح علي رفيقي المخرج أن يعرفني على وكيل الوزارة الجديد , الذي احسن استقبالنا , ومن خلال الحديث تبين أن الوزارة تعد برنامجاً وطنياً بمناسبة اعلان القدس عاصمة ابدية للثقافة العربية ابتداء من العام القادم , حيث تم تشكيل اللجنة الوطنية للقدس عاصمة ابدية للثقافة العربية بعضوية بعض الدول العربية والاسلامية وبرئاسة وزير الثقافة الفلسطيني وكان وكيل الوزارة هو المدير المكلف للجنة الوطنية .
وكانت فرصة أن استعرض معه مشروع مسلسل أمراء القدس وما مر به من نكسات وانتكاسات , رحب الوكيل بالفكرة وطلب مني صياغة كتاب لعرضه على الوزير , الذي رحب تماما بالمشروع وكانت النتيجه ولضمان سوية النص قامت الوزارة بأرسال كتاب الى المركز العربي للسمعيات والبصريات في الاردن ( كونه من أهم شركات الانتاج في الوطن العربي مرفقا بجميع الحلقات المتوفرة , وبعد اطلاع لجنة متخصصة من مخرجين ومتخصصين لمراجعة النص , وكان الرد ايجابياً بأمتيازحيث سبق وأن تعاونت مع المركز العربي في اهم الاعمال الدرامية وعلى رأسها ايقونة الدراما العربية مسلسل الاجتياح , وتأكيدا لاهمية المشروع ابدى المركز العربي استعداده بالمساهمه بما نسبته 50% من تكاليف الانتاج وحرصاً أن يخرج العمل بالمستوى العالمي الذي يليق بمكانة القدس بالاستعانة ممثلين عالميين وخبراء اجانب وخاصة في ادارة المعارك الكبيرة الواردة في النص فقد حددت الميزانية بما يقارب الست ملايين دولار امريكي . نصفها يقوم بدفعها المركز العربي ونصفها تقوم بتغطيتها دول اسلامية وكانت تركيا على رأس القائمه حيث علمت لاحقاً أنها وافقت مبدئيا على التغطية دون حاجة فلسطين أن تدفع فلساً واحدا ولذا كان قرار وزارة الثقافة كما يلي : –
(تم ادراج المشروع ضمن ميزانية الوزارة لعام ٢٠١٩ ويحتاج الى موافقة وزارة الماليه وسيتم طرح المشروع باجتماع القدس عاصمة الثقافة الاسلامية . لشراء نسخ على الاقل كمشروع فلسطيني لدعم القدس , وقد تم تخصيص مبلغ 200 الف دولار في ميزانية الوزارة لمشروع مسلسل امراء القدس).
وبناءً عليه قام المركز وعلى مدى اسبوعين كا ملين بأعداد بروبوزل ملون متكامل عن المشروع باللغتين العربية والانجليزيه , تضمن جهدا كبيراً من حيث الصياغة والجرافيك . وكان من المقرر أن يحضر وكيل وزارة الثقافة الفلسطينيه ( المدير المكلف للجنة القدس) جلسة مع المركز قبل سفره الى تركيا لعقد جلسة مع المركز لاطلاعه على البروبوزل لتقديمه في اجتماع دول لجنة القدس . وحدد موعدا للقاء , ثم موعد أخر , وأخر ولم يحضر المكلف اطلاقاً . ورغم محاولة الاتصال به أكثر من مرة الا أن هاتفه لم يرد . مما جعلني شخصياً اتصل بزميلي المخرج لاكتشاف سر ما يجري . وكان الرد أن المكلف ليس له دراية اطلاقاً بالانتاج والفن , وأنه سيعتزم تكليف زميلي المخرج بموجب كتاب رسمي من الوزارة بمتابعة الامر .
وكان هذا برأيي حلاً جيداً . وعلمت من زميلي أن المكلف وخلال المدة التي كنا ننتظر لقاءه بها قد سافر الى تركيا وحضر أكثر من اجتماع للجنة القدس , مما أثار كثيراُ من الريبة في نفسي بعدم اخذ الامر على محمل الجد , وكأنها مزحة في غير محلها لمشروع وطني في الوقت الذي يجب فيه أن نكون جميعاً خداما للقدس في احلك ظروفها وفي الوقت الذي هي أحوج ما تكون أن تقول ها أنا شوكة في عيون كل المحتلين والمتخاذلين .
الا أن ما اقلقني ايضاً افصاح المخرج الفلسطيني عن مكنونات ما يخفي ,حيث ادعى أن هذا المشروع مشروعنا وأن من حقه أن يقوم بأخراجه . وكانت اجابتي واضحة وصريحة , أن عملاُ كهذا يحتاج الى مالا طاقة له به من دعم لوجستي من قبل قوات مسلحة ودعم دولة بكل امكانياتها , بما في ذلك من تجهيزات عسكرية ومعارك حقيقية لايستطيعها الا المركز العربي بكل ما يمثل من ثقل وقدرة على ادارة انتاج عالمي حيث يمتلك كل المقومات العالمية والدعائية والقدرة على توزيع العمل في كل انحاء العالم . وهذا مالا تستطيعه قدرات محدوده ومتواضعه بل وعاجزه عن التساوق مع هذا العمل الضخم .
اكتمل النص تماماُ , ومضى ما يقارب العشر أعوام على مشروع مازال يراوح مكانه , وتزداد الهجمة شراسة على القدس والاقصى , ومازال مسئولينا في غياب تام , بل في غفلة الموتى , كل ما يهمهم كراسيهم ومصالحهم الشخصية , اما القدس وفلسطين فالى الجحيم .
*كاتب وسيناريست

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى